هلال بن محسن الصابي

385

الوزراء

ودخلنا إلى القاسم بن عبيد اللّه معا فأراد الرجل أن يقبّل يده فمنعه وضمه إليه حتى قبّل كتفه ، وأحضر كتّاب الدواوين فقال لهم : ناظروه . فكان يناظر على عمل بعد عمل ويبطل بابا ويصحّ بابا ، وكلّما صحّ شئ أخذ به خطّه وأرّجه أحد الكتّاب إلى أن وجبت صلاة المغرب وصلينا ، ثم أقبل على الكاتب وقال له : كم جملة ما أرّجته مما كتب به خطّه ؟ قال : ستة وثلاثون ألف دينار ونيّف . قال : وأي شئ بقي من الأعمال ؟ قيل له : عمل الديوان الفلاني والديوان الفلاني . فقال لي : يا أبا الحسن أنت الحكم في أمره ، فقل ما عندك نقبله . ولا أقلّ من إتمام المبلغ خمسين ألف دينار . فقلت : أيها الوزير ، إذا رجعت إلى حكمي فآثار الرجل جميلة وطريقته مستقيمة ، ومن حكمي فيه أن لا يلزم شيئا . فاغتاظ غيظا بان في وجهه وإن لم يبد في قوله وقال : ما ذا قلت ؟ قلت : يردّ إلى عمله ، فإنه رفع من الارتفاع ما لم يرفعه غيره . فأطرق ثم رفع رأسه وقال : يردّ عليه خطه ويكتب بإعادته إلى عمله . فقال الكاتب : كيف أدعو له ؟ قال : لا تدع . وقال للرجل : واللّه لئن عاودت ما أنكره منك لأعاملنّك بما عامل اللّه به فرعون فإنه جعله نكال الآخرة والأولى . وكتبت الكتب ، وأراد توديعه ، فبسط رجله إليه حتّى قبّلها . وقيل للقاسم : قد فعلت أيّها الوزير في أمره ما لم تفعله البرامكة مع مثله . قال : وجدت كلّ ما عاملته به واقعا موقعه مع تسليمه نفسه وأمره إلىّ . وحدث أبو عبد اللّه أحمد بن علىّ بن المختار الأنماطىّ - وكان قد خدم أبا الحسن علىّ ابن عيسى واختصّ به - قال « 1 » : كنت بين يدي الوزير أنا وأخوه وأولاده

--> ( 1 ) القصة في تجارب الأمم 6 / 14 وفي معجم الأدباء ترجمة علي بن عيسى .